الثلاثاء، 20 مايو 2008

هبوط خطأ


بخطوات وئيدة تهبط سلم الطائرة مرتديا معطفك الأسود ممسكا بحقيبتيك الصغيرتين .. فى احداهما وضعت متاعك القليل وفى الأخرى تخفى كنزك الأبدى, ذكريات أيام الجنة التى كنت تحيا فيها قبل أن يجرى عليك ما جرى على كل جنسك من شقاء فتطرد من الفردوس.
فى قلب الحقيبة, وسط تلك الأشياء الصغيرة التى أهدتها لك أو صنعتها لك بيديها كانت تستقر صورتها فى اطارها المذهب وعلى ركن الصورة ذلك الشريط الأسود .. كانت تصغرك بعدة أشهر لكنها رحلت لتبقى أنت وحدك كشجرة عجوز تساقطت عنها الأوراق لتحيا فى خريف دائم .. كل ما حولك قد اصطبغ باللون الرمادى , لا زهر , لا لون ولا عطر ترتجيه من الغد, فلن يطرق الربيع بابك مرة أخرى , حسبك أن زارك الربيع مرة واحدة.
وجهها الرقيق ذو الابتسامة العذبة دائم الاطلال عليك من خلف الاطار المذهب وانت لا تدعه يفارقك ليلا أو نهارا , فى رحلاتك وأسفارك , وحتى فى أماكن العمل .. الصورة لا تفارق الحقيبة والحقيبة لا تفارق يدك , تقبض عليها بقوة فولاذية .. تخشى أن ينتزعها منك الزمن فى لحظة من لحظات الغفلة فينتزع منك الروح وينتزع من عقلك مراكز الادراك والوعى وتفقد الاحساس بالزمان والمكان والقيمة .. فهذه الصورة هى البوصلة التى تهديك فى دروب المتاهات .. هى الحقيقة فى عالم كل ما فيه كذب وضلال.
والان بعد غياب افترس من العمر أكثره , ها أنت تعود الى نفس الأرض التى انتزعتها من حضنك بعنفها المعهود .. لماذا عدت؟ ماذا تبقى لك فى تلك الأرض؟ وما عساك تجنى من ثراها؟ ألم تسمها أنت اكلة الأحلام؟ ألم تبن فى غربتك عالمك الخاص من الذكريات ؟ فعم جئت تبحث هنا وفيم جئت تأمل؟
يقودك الممر البراق الى الباب الخارجى للمطار بين صفوف الراحلين والعائدين , وفى الخارج تتلفت يمنة ويسرة بحثا عن " تاكسى" يقلك .. ولكن الى أين؟ .. هذا غير مهم, ليمض بى حيث شاء .. هكذا تقول لنفسك بلا مبالاة.
هى أرض لا تعرف لنفسك فيها وجهة فلماذا عدت اليها؟
هو مؤلف تراجيديات عبقرى ذلك القدر , شديد القسوة , لا تأخذه بأبطاله شفقة , يرسم مفاجاته فى نسج حكاياته بدهاء لا مثيل له.
لازالت عيناك تتلفتان يمنة ويسرة تلمسا للتاكسى .. وعلى غير انتظار يتمخض زحام الشارع عن تلك المفاجأة وكأنما انشق عنها بطن الغيب , حين ترى ذلك الوجه الذى يبرز من وسط الزحام ماضيا فى طريقه الى حيث تقف.
أصابك الذهول لوهلة وأنت تمعن النظر فى تلك الملامح التى بدت لك مألوفة وتساءلت: أهى هى؟؟ .. أطلت التحديق فى وجهها فجاءت من داخلك صرخة تعلن أنه من المستحيل أن تكون هى .. فتساءلت فى حيرة : لكنها نفس الملامح والقسمات, لم يكد الزمن يترك عليها أثرا لأيامه الطوال .. فأجابك الصوت الباطنى بلهجة أكثر حدة ورفضا : حتى لو كانت كما ذكرت فهى ليست هى .. حدق فى عينيها ان شئت لتتيقن .. وحدقت فى عينيها حين كادت تحاذيك , ودارت عيناها فيما حولها دورة عشوائية فوقعت أنت فى مجال ابصارها لكنها مضت عنك غير مبالية شأن من لم ير فيما حوله جديدا أو شيئا يستحق الأنتباه .. ولم تعجب أنت لعدم ادراكها لوجودك لأنك كنت فى تلك اللحظة قد ادركت الحقيقة .. كانت عيناك قد حدقتا مباشرة فى وجهها فرأيت بوضوح شديد داخل محجريها قطعتى الزجاج الباهتتين اللتين حلتا محل العينين فاصابتك رجفة امتدت الى قلبك لترسم على صفحته النقية ذلك الشرخ العميق .. أهاتان هما العينان البريئتان اللتان طالما حلمت بهما وتغنيت بجمالهما وصفائهما؟! هل تحولتا الى قطعتين من معدن رخيص فغاض منهما كل بريق للمشاعر وكل معنى للحياة؟!
عاد النداء الباطنى يناشدك ألا تحزن فالتى رأيتها منذ لحظة ليست الا شبحا فى تلك الدنيا التى نبذتها , دنيا الكذب والنفاق .. أما "هى" الحقيقية فهى تلك التى ترقد فى طمأنينة داخل حقيبتك خلف اطارها المذهب ذى الشريط الأسود وبين أضلاعك.
ابتلعت المرارة العالقة فى حلقك حين طرق أذنيك صوت سائق التاكسى الذى أطل من نافذة التاكسى صائحا " تاكسى يا بيه؟ "
كانت الغربة تناديك من بعيد لتعود فمالك وطن الا هناك , فتبسمت فى مرارة وقلت للسائق " متأسف, لقد هبطت هنا خطأ" ثم استدرت عائدا من حيث أتيت.

هناك تعليقان (2):

دكتور سحابي يقول...

انت تعيش الان في وطنك لكننا يا صديقي نشتاق الي اوطان لا نعيش فيها.جميل ان تراها بين الحين والاخر جميل جدا لان قصتهاالمنقوصة تشعل ما تبقي منك علك تاتينابقبس او تجد علي النار هدي

ايوه كده يا خال اظهر علي حقيقتك ومتكابرش

دكتور سحابي يقول...

هبوط خطأ عنوان جامد قوي