الثلاثاء، 20 مايو 2008

وردة المستحيل


بعد الفجر, فى تلك الساعة الساحرة, كان يقف فى شرفته المطلة على النيل, تلك الساعة التى استفاقت فيها الطبيعة من أنفاس البشر الثقيلة التى تجثم عليها طيلة النهار وحتى ساعات متأخرة من الليل, وها هى الان تسترد أنفاسها وقد انبعثت ايات الجمال فى كل شىء فيها, فها هى خيوط النور قد بددت ظلمة الليل كما يبدد الأمل ظلمة اليأس, وفى ضياء تلك الخيوط تجلت للعين قطرات الندى العالقة بأوراق الأشجار وخدود الأزهار, واستيقظت الطيور فى أعشاشها تشدو بأعذب الألحان مرددة أدعية الصباح الباكر, غلاف من الجمال البكر يكسو كل شىء أمام عينى ذلك الفتى الواقف فى شرفته يتأمل.. تلك هى ساعته التى يغتنمها من يوم طويل ملىء بالمتاعب, لكنها تنبه فى داخله أملا لا ينام, انه أمل اللقاء.
فى احدى الامسيات الشعرية كان يتخذ مكانه فى أحد الصفوف محاولا الانصات الى كل ما يقال عندما أهلت هى على المجلس فأثار مراها انتباهه, ربما هى تعبيرات وجهها وخطواتها الواثقة وجلستها الرزينة الهادئة. اتخذت مجلسها قريبا منه وأخذت ترقب فى انتباه كل ما يقال على حين مضى هو يرقبها بفضول وانجذاب. انشغل عنها لحظة قصيرة بالرد على سؤال سأله شخص ما يجلس الى جواره ثم عاد يبحث عنها الى جواره فلم يجدها فدار ببصره فيما حوله قلقا واذا به يراها تمضى نحو الميكروفون فى خطوات يكسوها الوقار والثقة بالنفس, ولما استوت أمام الميكروفون تبسمت وقالت " اساتذتى الأفاضل, زملائى الأعزاء.. اسمحوا لى أن أتلو على مسامعكم بعض أبيات سطرتها, ولست أدعى أنى شاعرة أو أديبة, ان هى الا بعض من خلجات النفس ونبضات القلب سطرتها كما أحسستها دون أن أدخل عليها تهذيب أو تشذيب" ثم مضت تقرأ أبياتها, أما هو فقد انجذب اليها بسمعه وبصره وجميع حواسه, ومع تدفقها فى الألقاء أحس بأنه يسحب من أوتار قلبه, وأحس بخفة شديدة وكأنه يوشك أن يطير, وظل يسمو مع أبياتها بيتا وراء بيت وهو مسحور, كان كل شىء فيها يفتنه, حركات يديها, تعبيرات وجهها, نطقها ومخارج حروفها, معانيها المتدفقة فى ألفاظ تكسوها الرقة, ما عاد يحس أنه امام امرأة من البشر, بل أحس بأن انهار الفكر والأدب والفنون قد صيغت جميعها تمثالا للابهار تجسد فى هذه المرأة.. أى اعجاز وأى سحر!! انه يحس بأنه نائم كاليقظان أو يقظان كالنائم وما استفاق الا على لمسة يد وضعت على كتفه, واذا بأحد أصحابه يقول " ألن تنصرف؟" فاستفاق سائلا" هل فرغت من القائها؟" فتساءل صاحبه" من هى؟!"
- تلك التى كانت تلقى علينا من خلجات نفسها ونبضات قلبها.
- "يشهد الله اننى لم استمع فى امسية اليوم لامرأة" قالها صاحبه مبتسما.
- تلك التى كانت تنشدنا وهى تقول انها ليست بشاعرة ولا أديبة!
- يبدو أن سنة من النوم قد غلبتك فرأيتها فى أحلامك.
فهز رأسه مستنكرا وقال فى عجب "ربما".
ما عاد يهمه بعد ذلك هل راها بعينيه أم بعينى خياله, لكنها لم تفارقه من لحظتها بل بقيت حية فى داخله يتمثلها دوما نموذجا للجمال السامى الذى لا تحيط ببهائه الحواس وانما تسمو اليه النفس بحاسة خاصة لابد من توافرها لادراك ذلك الجمال, جمال لا ترسمه فرشاة ولا قلم, جمال خالص بل هو معدن الجمال, جمال كجمال الخير والحق والفضيلة والحرية, يتمثلها فى شروق الشمس على جنة خضراء, يراها فى حمرة الشفق المتهادى على صفحة نهر أزرق صاف. وطارت به أجنحة الخيال فاذا بها زوجته يعود اليها كل يوم من دنيا المتاعب والمشكلات, وعلى أبوابها تنتهى الدنيا الصغيرة وتبدأ الدنيا الكبيرة, على أعتابها تموت الام الحياة لتولد الجنة وتفيض بحار السعادة حين تضمهما جدران أربعة. ها هو يتمثلها فى كل ليلة صورة من صور النفوس الرقيقة الشفافة ثمينة المعدن, فهو يراها فى ليلة شاعرة تتذوق وتهضم وتبدع وتنتقى له من بساتين الشعر والشعراء أطيب أزهارها وأشهى ثمارها, ويجنح الى سفينتها التى تتهادى به فى بحور الشعر, وتأخذ بيده ترتقى به فى قصائدها متنزها بين القوافى والأوزان ويجوز معها الأبيات بيتا وراء بيت مبهور الأنفاس مأخوذ اللب.
وفى ليلة أخرى يراها صورة أخرى من صور النفوس الراقية, يراها فنانة تمسك بأنامل من نور فرشاتها تغمسها فى الألوان ثم تحركها على لوحاتها وتسحبه من يده لتدخل به الى عالمها عالم الألوانو عالم الضوء والظل, عالم اللمسات الخفيف الساحرة المبهرة, تلك الفتاة التى يتمثلها حزمة رقيقة من الأعصاب المرهفة تصمم وترسم بعينى قلبها وعقلها ما تنفذه أناملها الساحرة, تنفصل عن دنيا البشر لتسافر فى دنياها الخاصة ثم تعود بعد رحلة فى عالم الجمال محملة بأحاسيس وقيم رفيعة وطباع رقيقة, تستشعر عن بعد مواطن الجمال والقبح فى الأشياء, لا تطيق صبرا على رؤية الفوضى والقبح, لا ترضى بشىء أقل من الكمال أو ما يقاربه اذا لم يكن لشىء فى الدنيا كمال.
وفى ليلة أخرى يراها وقد أمسكت بالتها الموسيقية تعزف وهو الى جوارها يستمع ويستمتع, وتتحرك الأوتار وتنبعث النغمات فى موجات أثيرية متتابعة يذوبان أمامها هو وهى.. أمام أمواج النغم يذوبان لكنهما لا يتلاشيان بل يتحولان الى طائرين صغيرين تحملهما الأنغام وتحلق بهما فى سماء واسعة وفضاء فسيح, يحلقان على هدى تلك الأنغام وكلما ازدادا تحليق ازداد الفضاء أمامهما اتساعا وجمالا لا يحده سقف, وقد اكتست الأرض تحتهما ببساط أخضر زانته شتى صنوف الورود والأزاهير.
وتوقف فجأة ليسأل نفسه " ولكن هل لمخلوق أن ينال الكمال؟ وهو لبشر أن يرث الجنة وهو يحيا على الأرض؟ وهل ما نتصوره السعادة والجنة سيكون جميلا فى دنيا الواقع- لو استطعنا الوصول اليه- كما هو جميل فى خيالنا؟ وأخيرا, لو تجسدت له كل تلك المعانى فى صورة انسان أحبه هل سيمضى اليه دون تردد؟" انه يشك فى ذلك بقوة لأنه يعرف نفسه جيدا, ان التردد لازمة من أقوى لوازمه, وسعادته لو كانت على مرمى حجر من قدمه, بل لو كانت على بعد خطوة منه ما قطع اليها تلك الخطوة دون تهيب أو تردد.
بدأت أشعة الشمس تأخذ طريقها صعدا الى كبد السماء, وتبخرت بفعل أشعتها قطرات الندى وتبخرت معها أحلامه الجميلة, وبدأت صفوف البشر تتدافع فى الطرقات, وعادت معهم ضجة الحياة التى تطحن فى رحاها المادية كل الأحلام.

ليست هناك تعليقات: